الشيخ محمد رشيد رضا
108
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الإلهي أن يقيموا على خلاف في الدين ، ولا أن يكونوا شيعا كل يذهب إلى مذهب ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) ولما كان اختلاف الفهم ضروريا لأنه من طباع البشر وجب عليهم أن يتحاكموا فيه إلى الكتاب والسنة حتى يزول ولا يجوز ان يقيموا عليه ( فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) فلا عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم بعد هذا البيان الذي جعل لكل مشكل مخرجا الشقاق أثر طبيعي للاختلاف ، والاختلاف في الأمة أثر طبيعي للتقليد والانتصار للرؤساء الذين اتخذوا أندادا - ولو بدون رضاهم ولا إذنهم - إذ لولا التقليد لسهل على الأمة أن ترجع في كل عصر أقوال المجتهدين والمستنبطين إلى قول واحد بعرضه على كتاب اللّه وسنة رسوله . مثال ذلك ان الكتاب والسنة صريحان في أن النكاح لا يصح إلا إذا تولى العقد ولي المرأة برضاها أو غيره باذنه وقد أجمع الصحابة على هذا عملا ، ونقل عن أعلمهم قولا ، ولم ينقل أحد فيه خلافا صحيحا ، فإذا وجد للحنفية في المسألة قولان ( أحدهما ) مخالف للنصوص وهو أن للبالغة الراشدة ان تزوج نفسها ( وثانيهما ) انه ليس لها ذلك وهو الموافق للنصوص أفلم يكن من الواجب على المسلمين - وقد اختلف علماؤهم في هذه المسألة - ان يعرضوها على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر المجتهدين ، ويردوا الرواية المخالفة ويعملوا بالموافقة ؟ بلى ولكن التقليد ، هو الذي أوقعهم في الشقاق البعيد ويتوهم بعضهم أن ترك أقوال بعض الأئمة إهانة لهم ، وهذا غير صحيح بل هو عين التعظيم لهم ، والاتباع لسيرتهم الحسنة . ولو فرضنا انه إهانة - وكان يتوقف عليها اتباع هدى كتاب اللّه وسنة رسوله - أفلا تكون واجبة ويكون تعظيم الكتاب والسنة مقدما عليه لان إهانتهما كفر وترك للدبن ؟ على أن ترك أقوال الأئمة واقع ماله من دافع ، فان أتباع كل إمام تاركون لأقوال غيره المخالفة لمذهبهم ، بل ما من مذهب إلا وقد رجح بعض علمائه أقوالا مخالفة لنص الامام ولا سيما الحنفية هذا - وان الكتاب لا مثار فيه للخلاف والنزاع إذا صحت النية ، فكل من يتعلم العربية تعلما صحيحا وينظر في سنة النبي وسيرته وما جرى عليه السلف من أصحابه والتابعين لهم يسهل عليه أن يفهمه ، وما تختلف فيه الافهام لا يقتضي الشقاق